محتوى المقال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في عامٍ سمّاه التاريخ عام الحزن…
فقد الحبيب المصطفى ﷺ قلبَه الذي كان يؤويه، خديجة عليها السلام،
وفقد ظهرَه الذي كان يحميه، أبا طالب عليه السلام
في عامٍ ثقيلٍ على القلب،
سمّاه التاريخ عام الحزن…
فقد المصطفى ﷺ السيدةَ الطاهرة خديجة عليها السلام،
وفقد عمَّه أبا طالب عليه السلام،
فغابت السكينة، وانكشف الظهر، واشتد الأذى.
ضاقت مكة،
وضاقت معها سُبل الدعوة،
فخرج المصطفى ﷺ إلى الطائف،
لا طالبًا جاهًا،
ولا ملتمسًا سلطانًا،
بل باحثًا عن قلبٍ يسمع كلمة الله.
فخرج الحبيب المصطفى ﷺ إلى الطائف،
لا يحمل سيفًا…
ولا يطلب مُلكًا…
بل يبحث عن قلبٍ يسمع، وعن روحٍ تؤمن.
دخل على سادة ثقيف، فدعاهم إلى الله،
فأغلقوا القلوب، وفتحوا أبواب السخرية،
وأجابوا الرحمة بالحجارة،
وأغروا به السفهاء والصبيان،
فرشقوه بالحجارة…
حتى أُدميت قدماه الشريفتان،
وسال الدم على طريق الدعوة.
ومضى ﷺ مثخنًا بالجراح،
حتى لجأ إلى بستانٍ لعتبة وشيبة ابني ربيعة،
وجلس تحت ظل شجرة مستنداً إلى صخرة،
يرفع يديه إلى السماء بقلبٍ منكسر:
ولسان الحال يقول:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس…»
لم يشكُ الظلم…
بل شكا الضعف بين يديه سبحانه وتعالى،
وفي ذلك البستان،
كان عدّاس…
غلامٌ نصراني،
لكن قلبه سبق عقيدته.
سأله النبي ﷺ عن بلده،
قال: من نينوى.
فقال: «من قرية الرجل الصالح يونس ابن متّى».
توقّف عدّاس…
اهتزّ قلبه…
وقال: ما يعرف هذا إلا نبي.
فانحنى يقبّل رأس المصطفى ﷺ ويديه،
وكان أولَ ثمرةٍ نضجت في أرض الطائف القاسية.
ثم عاد الحبيب المصطفى ﷺ أدراجه،
حزين القلب، عظيم الصبر.
وفي طريق العودة…
جاءه جبريل عليه السلام،
ومعه ملك الجبال.
قال:
إن الله قد سمع ما قال قومك لك، وما ردّوا به عليك،
وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت.
وقال ملك الجبال:
يا رسول الله، إن شئتَ أن أُطبِقَ على القوم الأخشبين فعلت.
لحظة فاصلة…
لحظة يُمتحَن فيها القلب بعد الجراح.
والأخشبان…
هما جبلا مكة العظيمان،
جبل أبي قُبَيْس
وجبل قُعَيْقِعان
لو أُطبقا لانتهى الأذى،
وانطفأ العناد،
وسُكِن الألم إلى الأبد.
لكن المصطفى ﷺ
لم يكن نبيَّ الغضب،
بل نبيَّ الرحمة.
هنا، وفي ذروة الألم، والجرح، والخذلان،
لم يتكلم رسولُ الرحمة ﷺ بلغة الانتقام،
بل نطق بكلمةٍ خالدةٍ تُجسِّد جوهر الرسالة:
كلمةً تُدرَّس إلى قيام الساعة:
«بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم
من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا».
لم يقل: منهم،
بل قال: من أصلابهم…
نظرةٌ تتجاوز اللحظة، وتتجاوز الجيل، وتتجاوز الجرح،
لم ينظر إلى حجارة اليوم،
بل إلى قلوب الغد.
لم يقف عند وجع اللحظة،
بل تجاوزها إلى أجيالٍ لم تولد بعد.
فكان ما أراد…
خرج من الأصلاب من وحّد الله سبحانه وتعالى،
وفتحت مكة،
ودخل الناس في دين الله أفواجًا،
بلا دماء…
ولا انتقام.
هذا الموقف ليس مجرد قصة، بل منهج نبوي:
• في إدارة الألم
• في التعامل مع الرفض
• في الصبر على الدعوة
• يبيّن أن:
• القوة الحقيقية في كظم الغيظ
• والرسالة أعظم من الثأر
• وأن المستقبل قد يولد من رحم القسوة
إن حادثة الأخشبين هي ذروة الامتحان الإنساني للنبي ﷺ،
وفيها تجلّت النبوة، والرحمة، وبعد النظر،
حتى استحق أن يكون رحمةً للعالمين
سلامٌ عليك يا رسول الله،
يوم آذوك فصبرت،
ويوم قُدِّرت فعفوت،
ويوم كنتَ رحمةً للعالمين.