محتوى المقال
الضيافة الإلهية في شهر رمضان الكريم
يحلّ شهر رمضان المبارك ضيفًا عزيزًا على قلوب المؤمنين، حاملاً معه أنوار الرحمة ومواسم المغفرة. وليس رمضان مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو موسمٌ إلهيٌّ عظيم، عبّر عنه أهل البيت عليهم السلام بأنه شهر الضيافة الإلهية، حيث يتفضل الله تعالى على عباده بأنواع العطايا المادية والمعنوية، ويهيئ لهم أسباب القرب منه.
معنى الضيافة الإلهية في كلمات أهل البيت عليهم السلام
ورد في خطبة النبي ﷺ في استقبال شهر رمضان، كما رُويت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قال:
«أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة… هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله…»
وهذا النص يبين بوضوح أن شهر رمضان ليس شهر تكليفٍ فحسب، بل شهر تكريمٍ إلهي، يُستضاف فيه المؤمنون على مائدة الرحمة والمغفرة.
مظاهر الضيافة الإلهية
أولًا: سعة الرحمة والمغفرة
يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«إذا كان أول ليلة من شهر رمضان غفر الله لمن صامه، فإذا كان في الليلة الثانية غفر لكل من صامه، وهكذا إلى آخر الشهر».
وهذا المعنى يرسخ فكرة أن الله يفتح أبواب مغفرته لعباده طوال الشهر، وأن الرحمة تتجدد كل ليلة.
ثانيًا: شرف الصوم وخصوصيته
ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال:
«بُني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية».
فالصوم ركنٌ عظيم من أركان الدين، وفي شهر رمضان يبلغ ذروته، فيكون مظهرًا من مظاهر العبودية الخالصة لله تعالى.
ثالثًا: ليلة القدر وعظمة عطيتها
جاء عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام:
«التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين».
وهذا يبين عظمة ليالي القدر وأهمية إحيائها، فهي من أعظم مظاهر الضيافة الإلهية، حيث تُكتب فيها الأقدار وتُقسم فيها الأرزاق.
رابعًا: البعد الاجتماعي في رمضان
ورد عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام أنه كان إذا حضر وقت الإفطار قدّم الطعام للفقراء والمحتاجين قبل أن يفطر هو، ويقول: «إن الله يحب الجود».
كما ورد عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يحمل الطعام ليلًا إلى بيوت الفقراء في رمضان دون أن يُعرف.
وهذه المواقف العملية تجسد روح الضيافة الإلهية؛ فمن ذاق كرم الله أحب أن يعكسه على عباد الله.
كيف نستثمر الضيافة الإلهية؟
توجيهات أهل البيت عليهم السلام تؤكد أن أفضل استثمار لشهر رمضان يكون عبر:
• تهذيب النفس ومحاسبتها.
• الإكثار من الدعاء، خاصة دعاء الافتتاح وأدعية السحر.
• تلاوة القرآن بتدبر.
• صلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء.
• التحلي بالأخلاق الحسنة، لأن الصوم ليس عن الطعام فقط، بل عن المعصية والظلم وسوء الخلق.
وقد قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك».
خاتمة
إن الضيافة الإلهية في شهر رمضان، كما يصورها أهل البيت عليهم السلام، هي مشروع تربيةٍ متكامل، يجمع بين العبادة والروحانية، وبين الأخلاق والعمل الاجتماعي. إنها فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان من الداخل، ليخرج من هذا الشهر وقد تطهرت روحه، وزكت نفسه، وقويت صلته بالله تعالى.
فطوبى لمن فهم معنى هذه الضيافة، وأحسن الأدب فيها، وكان من الفائزين ببركاتها.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل ولايتهم، ومن المقبولين في شهره الكريم، وأن يوفقنا لصيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا