رائحة المهراس في شِعب أُحد: بين الرواية والملاحظة

محتوى المقال

*رائحة المهراس في شِعب أُحد: بين الرواية والملاحظة* *في شِعب أُحد،* بالقرب من مسجد السفح او الفَسح او مسجد احد، يوجد موضع يُعرف *بالمهراس،* ويتداول بعض الزوار أن رائحة طيبة تفوح من هذا المكان، ويقول بعضهم إنها رائحة النبي صلى الله عليه وآله، وربما يربطون ذلك بما يُروى من صعود النبي صلى الله عليه وآله إلى المهراس أو وصوله إليه. *وهنا أحب أن أطرح ملاحظة شخصية،* لا أقصد بها نفي ما يُتداول، وإنما أقصد التثبت والتمييز بين ما ثبت في المصادر وما اشتهر بين الناس. فقد قمتُ مع أحد الأصدقاء من أهل المدينة المنورة (المرشد السياحي الصاوي) بالبحث في عدد من المصادر التي تيسرت لنا، ومنها كتاب الكافي وغيرها من كتب السيرة والتاريخ، بحثاً عن رواية صعود النبي صلى الله عليه وآله إلى المهراس، فلم نجد فيما اطلعنا عليه نصاً واضحاً يثبت هذه الرواية، ومع ذلك سأتواصل إن شاء الله مع الباحث الشيخ أمين آل درويش للاستماع إلى رأيه في هذا الخصوص. والمشهور فيما وقفنا عليه من الروايات الشفوية المتعلقة بمواقع شِعب أُحد أن النبي صلى الله عليه وآله يذكر في هذا السياق ما يرتبط بصخرة الطاقية من وقوف النبي صلى الله عليه وآله أو جلوسه فيها، أما القول بأنه صعد إلى المهراس تحديداً فلم نجد له، فيما بحثنا، ما يثبت ذلك. ومع ذلك، لا ننفي الرواية؛ فعدم عثورنا عليها في المصادر التي بحثنا فيها لا يعني بالضرورة عدم وجودها في مصدر آخر، ولذلك نكتفي بالقول: لم نجد ما يثبتها فيما اطلعنا عليه. *أما موضوع الرائحة، فهو الذي أثار انتباهي أكثر.* ففي السابق، وقبل أن يُسمح للزوار بالدخول إلى هذا الموضع، لم نكن نلاحظ وجود هذه الرائحة بالشكل الذي يُتحدث عنه اليوم. أما بعد أن أصبح الدخول إلى الطاقية متاحاً للزوار، فمن الطبيعي أن نتساءل عن مصدر هذه الرائحة، خصوصاً مع ملاحظة أن بعض الزوار يضعون العطور في مثل هذه المواقع، ومن بينها دهن العود ودهن الورد. وأنا شخصياً أرجح أن الرائحة التي تُشم في المهراس قد تكون نتيجة لهذه الممارسة؛ إذ إن الصخور والأماكن التي يتكرر وضع العطر عليها يمكن أن تتشبع بالرائحة، ثم تستمر في إطلاقها، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة. وهذه ليست مجرد فرضية بالنسبة لي؛ فقد لاحظت ظاهرة مشابهة في الجدار الشرقي لمقبرة شهداء أُحد. فقد كانت تفوح من ذلك الجدار رائحة طيبة، وكان من الممكن أن يفسرها البعض بأنها رائحة مرتبطة بالمكان أو بالشهداء رضي الله عنهم. لكن مع المتابعة والملاحظة، تبيّن أن بعض الزوار كانوا يقومون بسكب دهن العود والعطور على الجدار. ومع مرور الوقت تشبعت بعض أجزاء الجدار بهذه الروائح، فأصبحت الرائحة ظاهرة لمن يقترب من المكان. والأهم من ذلك أننا لاحظنا أنه عندما توقفت هذه العادة، توقفت الرائحة تدريجياً عن الظهور. وهذه الملاحظة تجعل تفسير الرائحة بالعطر تفسيراً منطقياً وقوياً، وتدفعنا إلى التعامل بحذر مع القول بأنها رائحة النبي صلى الله عليه وآله . ومن هنا أرى أن هناك فرقاً مهماً بين أمرين: الأول: أن نشم رائحة طيبة في موضع تاريخي ارتبط بسيرة النبي صلى الله عليه وآله، وهذا أمر يمكن ملاحظته بالفعل. والثاني: أن نجزم بأن هذه الرائحة هي رائحة النبي صلى الله عليه وآله، وهذا أمر آخر يحتاج إلى دليل صحيح وثابت. فمحبتنا للنبي صلى الله عليه وآله وتعظيمنا له لا تحتاج إلى مثل هذه الروايات، بل إن من محبته صلى الله عليه وآله أن نكون دقيقين في نسبة الأقوال والأفعال إليه. وفي المقابل، لا ينبغي لنا أيضاً أن نجزم بأننا أثبتنا أن الرائحة مصدرها العطر بنسبة مائة بالمائة؛ فالأدق والأكثر إنصافاً أن نقول: إن وضع العطور من قبل الزوار تفسير ظاهر وقوي تؤيده الملاحظة والتجربة، بينما لم نجد دليلاً ثابتاً فيما بحثنا عليه يثبت أن الرائحة هي رائحة النبي صلى الله عليه وآله. وقد يقول قائل: ربما كانت هناك رواية صحيحة لم نقف عليها، وربما كان للمهراس ارتباط بالنبي صلى الله عليه وآله لم نصل إلى دليله؛ وهذا احتمال لا ننفيه، ولذلك لا يصح أن نقطع بالنفي كما لا يصح أن نجزم بالإثبات. *المهم أن نفرّق بين ما ثبت، وما اشتهر، وما شاهدناه، وما استنتجناه.* *فالذي ثبت عندنا من خلال الملاحظة أن الزوار يضعون العطور في هذه المواضع، وأن الرائحة ظهرت مع وجود هذه الممارسة، كما لاحظنا في جدار مقبرة شهداء أُحد، ثم اختفت عندما توقفت ممارسة وضع العطر.* وفي النهاية، فإن شِعب أُحد ليس بحاجة إلى رواية غير ثابتة حتى يكون عظيماً في نفوسنا؛ فهو موضع من مواضع السيرة النبوية، وتكفيه أحداث أُحد العظيمة، وما جرى فيها من تضحيات الرسول، وما تحمله المكان من ذكريات مرتبطة برسول الله صلى الله عليه وآله. والتثبت من الرواية لا يعني التقليل من قيمة المكان، كما أن التفسير الطبيعي للرائحة لا يعني إنكار بركة المكان أو عظمة أحداثه. إنما هي محاولة بسيطة للفصل بين محبة النبي صلى الله عليه وآله، وبين الخبر الذي لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله. هذا والله أعلم. 1. الكافي: ماذا يقول تحديدًا؟ في روضة الكافي توجد رواية عن يوم أُحد تذكر أن الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ، ولم يثبت معه إلا علي وأبو دجانة في تلك الرواية، ثم قال النبي ﷺ لأبي دجانة أن يرجع إلى قومه، فأبى. وتنتهي الرواية بتأكيد مقام علي: «فأما علي فهو مني وأنا منه». وهي من روايات الروضة من الكافي، ج8، ص110 في الطبعات المتداولة، وتظهر أيضًا في بحار الأنوار ضمن جمع روايات أُحد. لكن المهم: هذه الرواية لا تذكر المهراس. إذن: الكافي = مقام علي وأبو دجانة، نعم؛ المهراس، لا في هذه الرواية. ⸻ 2. تفسير القمي: من أهم المصادر في موضوع أُحد في تفسير القمي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ يروي القمي تفاصيل من غزوة أُحد. ومن أهم ما يذكره: * خروج قريش إلى المدينة. * خروج النبي ﷺ للقتال. * ترتيب المسلمين. * المبارزة مع أصحاب اللواء. * قتال علي عليه السلام. * ثباته عندما انهزم الآخرون. * إصابة علي بجراح كثيرة. * سماع النداء: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي». * نزول جبرئيل وقوله: «هذه والله المواساة». * جواب النبي ﷺ: «لأنه مني وأنا منه». وهذه الرواية مهمة جدًا في موضوع مقام علي في أُحد. لكنني لا أريد أن أنسب إليها شيئًا ليس فيها: النص الذي وجدته من تفسير القمي في هذا الموضع لا يذكر المهراس في سياق سقي النبي ﷺ. ⸻ 3. الإرشاد للشيخ المفيد: هنا تظهر كلمة «المهراس» صراحة وهذه من أهم النتائج. يذكر الشيخ المفيد في الإرشاد، ج1، ص79 تقريبًا، نقلاً عن ابن عباس أن لعلي عليه السلام خصالًا، منها: «وهو الذي ثبت معه يوم المهراس» ثم يوضح المفيد في الهامش: «المهراس: ماء بجبل أُحد» ثم يقول: «يعني يوم أُحد، وفرّ الناس». إذن لدينا هنا نص إمامي صريح جدًا: يوم المهراس = يوم أُحد. وهذا مهم لأن المهراس لم يكن مجرد اسم صخرة عابرة؛ أصبح في بعض المصادر اسمًا يُطلق على يوم أُحد نفسه. لكن انتبه إلى شيء مهم جدًا: النص لا يقول: «صعد النبي إلى المهراس». بل يقول: «ثبت معه يوم المهراس». أي أن التركيز هنا على الموقف والواقعة، وليس على صعود النبي إلى موضع مرتفع. ⸻ 4. مناقب ابن شهرآشوب ابن شهرآشوب يقول: «وفي شوال غزوة أُحد، وهو يوم المهراس». ثم يسرد أحداث المعركة، وينقل روايات عن ابن عباس وابن مسعود والصادق والباقر وغيرهم. ومن هنا انتقل هذا التعبير إلى بحار الأنوار. وهذا المصدر مهم لأنه يجمع أكثر من طريق ورواية، وليس رواية واحدة فقط. ⸻ 5. بحار الأنوار: أهم مصدر لجمع الصورة كاملة هنا تصبح الصورة أوضح؛ لأن العلامة المجلسي جمع روايات أُحد من: * الكافي * تفسير القمي * مناقب ابن شهرآشوب * الإرشاد * الاحتجاج * الخصال * علل الشرائع * وغيرها. وفي بحار الأنوار، ج20 تظهر عدة روايات متعلقة بأُحد والمهراس. ومن أهمها رواية المناشدة: «هل فيكم أحد وقفَت الملائكة معه يوم أُحد حين ذهب الناس غيري؟» قالوا: لا. ثم قال: «هل فيكم أحد سقى رسول الله من المهراس غيري؟» قالوا: لا. وهذه الرواية مهمة جدًا لأنها تثبت في التراث الإمامي رواية صريحة عن: علي → المهراس → سقي النبي ﷺ. لكن مصدرها هنا الاحتجاج، وليست رواية من الكافي. ⸻ 6. وهل ورد أن النبي ﷺ كان مجروحًا؟ نعم، وهذه نقطة ثابتة في عدد من الروايات التي جمعها بحار الأنوار. ترد رواية أن النبي ﷺ قاتل يوم أُحد قتالًا شديدًا، وأصيب، وأن عليًا كان ينقل له الماء في ترسه من المهراس. وتذكر الرواية المشهورة أن فاطمة عليها السلام كانت تغسل الدم عن وجه النبي ﷺ، ولما لم يتوقف الدم أحرقت حصيرًا وجعلت رماده على الجرح فتوقف الدم. لكن هنا يجب الانتباه إلى المصدر: بحار الأنوار لا يعني أن كل نص فيه رواية أصلية من الكافي أو من أحد الكتب الأربعة؛ المجلسي يجمع وينقل من مصادر كثيرة. وفي هذه الرواية تحديدًا يظهر النقل عن الكامل لابن الأثير ضمن المادة التي جمعها المجلسي. إذن لا يصح أن نقول: «الكافي يقول إن عليًا سقى النبي من المهراس». الأدق: «ورد في بعض المصادر التي جمعها علماء الإمامية أن عليًا سقى النبي ﷺ من المهراس يوم أُحد». ⸻ 7. ماذا عن حمزة؟ حمزة حاضر بقوة في روايات أُحد في المصادر الإمامية. ومن الروايات التي أوردها بحار الأنوار عن الكافي: أن رسول الله ﷺ صلى على حمزة وكفنه. كما ترد أخبار عن استشهاده ومكانته، ومنها وصفه بـ: «أسد الله وأسد رسوله». وفي الروايات التاريخية التي جمعها المجلسي تظهر قصة حزن النبي ﷺ على حمزة، وزيارة فاطمة وغير ذلك. لكن بالنسبة لموضوعنا المكاني: لا توجد في هذه الروايات إشارة إلى أن حمزة كان في «صخرة الطاقية». ⸻ 8. أبو دجانة أبو دجانة يظهر بوضوح في روايات أُحد. في روضة الكافي نجد أنه كان ممن ثبت مع النبي ﷺ، مع علي عليه السلام. وفي الروايات التي جمعها بحار الأنوار توجد قصة ثباته وإصراره على عدم ترك النبي ﷺ حتى بعد أن أذن له بالانصراف. وتذكر الرواية أنه قاتل حتى أثخنته الجراح، ثم حمله علي إلى النبي ﷺ. إذن: أبو دجانة = حاضر في الروايات الإمامية عن أُحد بوضوح. ⸻ 9. الصخرة أو «صخرة الطاقية» وهنا نصل إلى النقطة التي تهمنا في بحثك السابق. بعد مراجعة هذه المجموعة من المصادر: لم أجد رواية تقول: «صعد النبي ﷺ إلى صخرة الطاقية». ولا وجدت في هذه النصوص: «دخل النبي ﷺ في الصخرة». ولا: «جلس النبي ﷺ داخل الصخرة». ولا حتى تسمية «صخرة الطاقية» بهذا الاسم في الروايات التي تتحدث عن أُحد. وهذا مهم جدًا. ⸻ 10. إذن ما علاقة «المهراس» بالجبل؟ الروايات الإمامية التي راجعناها تستخدم «المهراس» بعدة معانٍ: أولًا: اسم ماء/موضع ماء في أُحد. ثانيًا: في شرح المفيد: «المهراس: ماء بجبل أُحد». ثالثًا: في شرح المجلسي، نُقل عن «النهاية» أن المهراس قد يكون صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأُحد. وهذا يفسر شيئًا مهمًا جدًا: المهراس ليس بالضرورة اسم جبل أو قمة. بل هو ماء/موضع ماء، وقيل صخرة منقورة يجتمع فيها الماء. ⸻ النتيجة التي أراها مهمة جدًا لمقطعك بعد جمع هذه المصادر، أعتقد أن الصياغة الأدق لموضوعك هي: «وجدنا في المصادر الإمامية روايات تذكر أُحد والمهراس، بل ورد في بعضها أن عليًا عليه السلام سقى النبي ﷺ من المهراس يوم أُحد، وورد في الإرشاد أن عليًا هو الذي ثبت مع النبي يوم المهراس. لكننا، مع البحث في الكافي وتفسير القمي والإرشاد ومناقب ابن شهرآشوب وإعلام الورى وبحار الأنوار، لم نجد رواية تقول إن النبي ﷺ صعد إلى المهراس، أو دخل في صخرة، أو أن الصخرة المعروفة اليوم باسم صخرة الطاقية هي الموضع الذي احتمى فيه النبي ﷺ.» وهذه صياغة قوية ومنصفة جدًا؛ لأنها لا تنفي الروايات التي تثبت المهراس، وفي الوقت نفسه لا تحول رواية «سقى من المهراس» إلى رواية أخرى لم ترد، وهي «صعود النبي إلى المهراس». والأجمل في بحثك أن هناك فرقًا واضحًا بين ثلاث مسائل: 1. وجود المهراس في أُحد → له شواهد في المصادر الإمامية. 2. سقي النبي ﷺ من ماء المهراس → ورد في بعض المصادر الإمامية صراحة. 3. صعود النبي ﷺ إلى المهراس أو دخوله في صخرة الطاقية → لم نجد له نصًا في هذه المجموعة من المصادر. وهذا بالضبط هو التفريق الذي كنتُ أبحث عنه.

مقالات ذات صلة

تأخر المأموم عن الامام في الحركات

الأخ الفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو أن يتسع صدرك لملاحظة أخوية أقولها لك من باب المحبة والحرص، وليس فيها أي انتقاص منك أو...

لماذا نوثّق آثار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “سؤال في محله: لماذا نوثّق آثار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وهل لذلك أصل في الإسلام؟” أي...

كتابة عنوان الروابط المرسلة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نؤكد وبشدة كتابة عنوان أي رابط يتم نشره، وذلك لعدة أسباب مهمة: 1️⃣ -التأكد من اطلاع المُرسل على المحت...

ابا احمد السعود وابا الياس

أبا أحمد وابا إلياس ؛ ستبقى ذكراكما بيننا نبراسًا للعطاء، وعنوانًا للإخلاص، ودليلًا على أن الإنسان وإن غاب بجسده، فإن أثره الجميل لا يغيب أ...

الزيارات الميدانية للحملات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بالأمس كانت لنا زيارتنا السنوية المعتادة إلى المنطقة الشرقية لاستكمال إجراءات حملات الحج في تلك المنطقة....